حياته وُلِدَ أرنولد تُوينبي في لندن، في عام 1889، ودرَسَ اليونانيةواللاتينية في أكسفورد، وتقلَّب في عدَّة مناصب، منها: أستاذ الدراسات اليونانيَّة والبيزنطيَّة في جامعة لندن، ومدير دائرة الدراسات في وزارة
ومضات من حياة المؤرخ العظيم ارنولد توينبي وفلسفته في نشوء الحضارة
حياته
وُلِدَ أرنولد تُوينبي في لندن، في عام 1889، ودرَسَ اليونانيةواللاتينية في أكسفورد، وتقلَّب في عدَّة مناصب، منها: أستاذ الدراسات اليونانيَّة والبيزنطيَّة في جامعة لندن، ومدير دائرة الدراسات في وزارة الخارجية البريطانية؛ وتوفى في عام 1975.
يُعتبرُ تُوينبي أحدثَ وأهمَّ مُؤرِّخ بحَثَ في مَسألة الحضارات بشكلٍ مُفصَّلٍ وشامِل، ولاسيَّما في موسوعته التاريخيَّة المُعنونَة "دراسة للتاريخ" التي تـتألَف من اثـني عشرَ مُجلَّدًا أنفق في تأليفها واحدًا وأربعين عامًا. وهو يَرى، خِلافًا لمُعظم المؤرِّخين الذين يعتبرون الأُمَم أو الدُول القوميَّة مَجالاً لدراسة التاريخ، أنَّ المُجتمعات (أو الحضارات) الأكثر اتِّساعًا زمانًا ومكانًا هي المجالات المعقولة للدراسة التاريخيَّة. وهو يُفرِّقُ بين المُجتمعات البِدائيَّة والحَضاريَّة؛ وهذه الأَخيرة أقلُّ عددًا من الأُولى، فهي تبلغُ واحدًا وعشرين مُجتمعًا اندثَرَ مُعظمُها، ولم يبقَ غيرُ سبع حضارات تمرُّ ستٌّ منها بدَور الانحلال، وهي: الحضارة الأُرثوذكسية المسيحية البيزنطية، والأُرثوذكسية الروسية، والإسلامية، والهندوكية، والصينية، والكورية-اليابانية؛ أمَّا السابعة، أي الحضارة الغربية، فلا يُعَرف مصيرُها حتَّى الآن.26
خلال القرن التاسع عشر نضج علم التاريخ في أوروبا الغربية، كما نضجت النظريات التي بذلت جهداً مرموقاً بغية استيعاب ماهية التاريخ، بل حتى بغية التحكم بمساره لصالح الغربيين. وعندما ولد النظري الإنجليزي آرنولد توينبي سنة 1889، أي بعد ولادة اشبنغلر بسبع سنوات، كان الألمان قد أنجزوا الكثير، سواء كمؤرخين، أو كنظريين معنيين بفهم مسار التاريخ واتجاهه العام.
درس توينبي في جامعة أكسفورد، ثم اشتغل موظفاً في وزارة الخارجية البريطانية. كما درس التاريخ في جامعة لندن، ولكنه سرعان ما صار مديراً للمعهد الملكي للشؤون الدولية، وابتداء من سنة 1921 راح يؤلف كتابه الشهير الذي جعله واحداً من أعلام القرن العشرين، وعنوانه دراسة التاريخ. ولم يكتمل الكتاب إلا في سنة 1961، يوم صدر المجلد الثاني عشر، أو الأخير. وهذا يعني أنه اشتغل أربعين سنة في كتابه النفيس.
والجدير بالتنويه أن هذه الدراسة لم تترجَم إلى العربية حتى الآن، مع أنها واحدة من أشهر الدراسات الأوروبية المتخصصة بنظرية التاريخ. ولكن بعضاً من طلاب توينبي لخصوا كتابه في أربعة مجلدات، أي اختصروه إلى الثلث، فأقدم الاستاذ المرحوم طه باقر بترجمة هذا الملخص العام 1954 ومن ثم تبعه
فؤاد محمد شبل واعاد ترجمة هذا الموجز ونشره في القاهرة بين سنة 1964 وسنة 1966.
ولعل أهم ما ينبغي التنويه به في هذا السياق أن توينبي قد اعترف بأنه متأثر بابن خلدون. كما أنه كان صديقاً للعرب، فدافع عن حقهم في فلسطين منذ العشرينيات، أو بعد صدور وعد بلفور. وفي عام 1960 خاض حواراً طويلاً في كندا ضد أحد المسؤولين الصهاينة، وتصدى للمزاعم الصهيونية التي حاولت تشويه الحقائق المتعلقة بالمسألة الفلسطينية، فنال إثر ذلك الحوار شعبية وشهرة أوساط المثقفين العرب.
نظرية توينبي :
ليس من اليسير أن يستعرض المرء نظرية بثها مؤلفها في اثني عشر مجلداً، وخصصها لدراسة إحدى وعشرين حضارة، هي أبرز الحضارات في التاريخ كله. ومع ذلك فإن في الميسور أن يوجز المرء بعضاً من الأفكار المحورية في تلك النظرية.
لعل مما هو شديد النصوع أن المقولة السيدة في نظرية توينبي هي مقولة "التحدي والاستجابة". ولدى تبسيط هذه المقولة، يسعك القول بأن البيئة من شأنها أن تتحدى الناس؛ فإن استجابوا للتحدي بنجاح، فإنهم سوف يتمكنون من إنشاء حضارة قوية ذات شأن، وإن هم أخفقوا في ذلك، فإن نمو حضارة متقدمة في تلك البيئة (التي قد تكون شديدة القسوة، كالصحراء في شبه الجزيرة العربية) سوف لن يكلل بالنجاح بتاتاً. وبإيجاز، إن نمو حضارة من الحضارات أمر مرهون بمدى استجابة الناس للتحديات التي تواجههم.
وتضيف النظرية ما فحواه أن كل حضارة تمر بطورين اثنين. ففي الطور الأول، وهو طور النمو، تكون الاستجابة للتحديات موفقة دوماً؛ أي أن الناس يكونون أقدر من القوة التي تعارضهم وتعرقل تفتحهم. أما في الطور الثاني، فيكون الوضع مناقضاً لما كان عليه الحال في الطور الأول، أي تكون التحديات أقوى من كفاءة الناس، الذين يعجزون عن الاستجابة لها. ففي هذا الطور يظهر التحدي الذي يؤدي إلى ردّ فعل مخفق. ثم يظهر تحدٍّ أكبر من السابق، فيكون الرد عليه أضعف من الرد الأول. ويستمر الحال هكذا إلى أن تضمحل الحضارة أو تشيخ.
ويعتقد توينبي بأن الحروب هي السبب الجوهري لانهيار المجتمعات أو الحضارات. وهو يأخذ المجتمع الآشوري القديم مثالاً على ذلك. يقول: "لقد هوت آشور جثة هامدة، ولكنها مدججة بسلاحها. ومن المعلوم أن تسليح آشور هو أقوى تسليح في غرب آسيا خلال القرن السابع قبل الميلاد. ومع ذلك، فقد انهارت بسرعة قصوى أمام هجمة الميديين والبابليين." وههنا يستشهد توينبي بقول السيد المسيح (عليه السلام): "من يأخذ بالسيف، فبالسيف يهلك."
ولا يوافق توينبي على مذهب اشبنغلر القائل بأن الغرب قد أخذ بالانهيار. وهو يعتقد بأن حضارة الغرب لم تستنفد بعد إمكاناتها، وأن الغرب مازال شاباً وأنه قد لا يضمحل، أو قد يستمر في الوجود لآلاف السنين.
تفسير توينبي للتاريخ
ويُفسِّرُ تُوينبي نشوءَ الحضارات الأُولى، أو كما يُسمِّيها الحضارات المُنقطعة، من خلال نظريَّته الشهيرة الخاصَّة بـ"التحدِّي والاستجابة"، التي يعترفُ بأنَّه استلهمَها من عِلم النَفس السلوكيّ، وعلى وَجه الخصوص من كارل يونغCarl Jung (1875–1961). ويقول هذا العالم إنَّ الفَرد الذي يتعرَّضُ لصدمةٍ قد يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما، ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة: الأُولى النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسُّك به تعويضًا عن واقعه المُرّ، فيُصبح انطوائيًّا؛ والثانية، تقبُّل هذه الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيًّا. فالحالة الأولى تُعتَبرُ استجابةً سلبيَّة، والثانية إيجابيَّة بالنسبة لعلم النفس. (لاحظْ أنَّ ذلك ينطبقُ على حالة العرب، فإنَّهم تعرَّضوا لصدمة الحضارة، فلجأوا إلى النكوص إلى الماضي دفاعًا عن النفس).
كيف طبَّق تُوينبي هذه النظريَّة على نشوء الحضارات؟ يقول في تفسير ذلك إنَّ المجتمعات البدائيَّة لدى مُواجهتها تحدِّياتٍ بيئيَّة أو بشريَّة مُعيَّنة تستجيبُ استجاباتٍ مُختلفة، أي إنَّها تُواجه ذلك الحافزَ برُدودِ فِعلٍ تختلفُ من جماعةٍ إلى أُخرى، بعضها سلبيَّة وبعضها إيجابيَّة.
وعلى هذا المِنوال يُفسِّر ظهورَ الحضارات الأصليَّة الأُولى في كلٍّ من وادي الرافدينو وادي النيل، فيقول: كان السهل الأفروآسيويّ (أي جنوب شبه الجزيرة العربيَّة وشمال إفريقيا) يتمتَّع بجوٍّ مُعتدل ومَراعٍ شاسعة ومياهٍ غزيرة، خلال نهاية الفترة الجليديَّة الأخيرة، كما ذكرنا سابقا. وكانت الشراذمُ البشريَّة المُنتشرة فيه تعيشُ عيشةً راضية على الصَّيد والقَنص وجمع الثمار والبذور. ولكن حدثَ تغيُّرٌ مناخيّ تدريجيّ في الفترة المُعتدلة أو الدفيئة الأخيرة التي نعيشها الآن، الأمر الذي سبَّب انحباسَ الأمطار وانتشارَ التصحُّر وجفافَ الأنهر. (كما يحدث الآن وبشكلٍ مُستمرّ في بعض أجزاء إفريقيا الوُسطى حيث تمتدُّ الصحراء الكُبرى وتتَّسعُ باستمرار).
وهذا هو نَمطُ التحدِّي الذي واجهَته تلك المجتمعات، فاستجابت له بأساليبَ مُختلفة: إذْ تحوَّل بعضُها إلى قبائلَ رُحَّل تسعى وراءَ الكلإ والماء، وترعى أنعامَها التي تقتاتُ عليها. وانحدر الجزءُ الثاني إلى الجنوب نحو المناطق الاستوائيَّة المُشابهة للبيئة السابقة إلى حدٍّ بعيد، فظلَّ مُحافِظًا على نَمطِ مَعيشته البدائيَّة السابقة إلى يومنا هذا. ورحَل قسمٌ ثالث إلى دِلتا النيل، حيثُ وَاجه أحوالاً طوبوغرافيَّة جديدة تتمثَّلُ بوجود هذا النهر العظيم وتلك البيئة المُختلفة، فكافح عوائقها وسخَّرها لأغراضه، بعد أن اكتشف الزراعة، الأمر الذي أدَّى إلى إنشاء الحضارة المصريَّة الرائعة. كما إنَّ انتقالَ بعض الجماعات من شبه الجزيرة العربيةإلى أهوارجنوب العراقوالفرات الأسفل تمخَّض عن انبثاق حضارات ما بين النهرين، كما أسلفنا. وبعبارةٍ أُخرى فإنَّ هذه الجماعات قد استجابت إلى التحدِّي الطبيعيِّ بأساليبَ مُختلفة: منها بالبقاء في أرضها وتحوُّلها إلى قبائل بدويَّة، أي كانت استجابتُها سلبيَّة، ومنها بالرحيل إلى مناطقَ جديدة مُختلفة قريبة من الأنهار، حيث أسَّست تلك الحضارات الأُولى، أي كانت استجابتُها ديناميكيَّة حضاريَّة، تعتمد على الحركة أو الهجرة، ثم التغيير والتطوير والإبداع.
أمَّا فيما يتعلَّق بنُموِّ الحضارة، فيُعيدها تُوينبي إلى الدافع الحيوي Elan Vital، وهي الطاقة الكامنة لدى الفَرد والمُجتمع التي تنطلق بغرض التحقيق الذاتيّ. ويعني ذلك كما يقول: “أنَّ الشخصيَّة النامية أو الحضارة تسعى إلى أن تصيرَ هي نفسُها بيئةَ نفسها، وتحدِّيًا لنفسها، ومجالَ عمل لنفسها. وبعبارةٍ أُخرى إنَّ مقياس النموّ هو التقدُّم في سبيل التحقيق الذاتيّ.” ويكون ذلك “عن طريق المُبدِعين من الأفراد، أو بواسطة الفئة القليلة من هؤلاء القادة المُلهَمين”، إذ تستجيبُ لهم الأكثريَّةُ عن طريق المُحاكاة الآليَّة mimesis التي تُمثِّلُ الطريقةَ الغالبة في عمليَّة الانقياد الاجتماعيّ. وتـقود هذه المُحاكاةُ في الجماعة البدائيَّة إلى حركةٍ سلفية تـنزعُ إلى مُحاكاةِ القُدَماء، بينما هي في المُجتمعات الحضاريَّة النامية حركةٌ تقدُّميَّة تُؤدِّي إلى مُحاكاة الطليعة الخلاَّقة. 27
سقوط الحضارات
وعلى صعيد سقوط الحضارات يرى تُوينبي أنَّه يعودُ إلى ثلاثة أسباب:
– ضعف القوَّة الخلاَّقة في الأقلِّـيَّة المُوجِّهة وانقلابها إلى سلطةٍ تعسفية؛
– تخلِّي الأكثريَّة عن مُوالاة الأقلِّـيَّة الجديدة المُسيطرة وكفِّها عن مُحاكاتها؛
– الانشقاق وضياع الوحدة في كيان المُجتمع. 28
ما سبقَ كان لمحةً مُختصرة جدًّا عن تفسير تُوينبي لنشوء الحضارة وسقوطها
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )