مسافة أمان إذا كنت من الذي يقودون سياراتهم بصورة سليمة : فأنت –بشكل تلقائي – تترك بينك وبين الذي أمامك مسافة تسمي ( مسافة أمان ) . قد تواصل قيادة سيارتك عدة أيام دون أن تستعمل هذه المسافة، وذلك لأنها مطفأة الحريق، تحافظ عليها تدعو الله ألا تحتاج إليها .
في بقية شؤون حياتنا، لم لا نستعمل هذه المسافة ؟
إن أقرب تطبيق لهذه الفكرة هو أننا عندما نريد أن نعطي موعداً زمنياً، فإنه من المفيد جداً أن نزيد 20 – 25 % من الوقت كمسافة أمان، خصوصاً عند عدم تأكدنا القاطع بمناسبة الوقت للموعد، غير أن لهذا المبدأ تطبيقات أخري قد لا تظهر من النظرة الأولي .
مطب !
ذات يوم كان أحد بائعي النظارات يعرض عينة من النظارات الشمسية لأحد الزبائن، فأخذ يشيد بمزايا هذه النظارة، فهي مرنة تناسب كل وجه، وهي ذات تصميم حديث، وهي مضمونة اللون، والأداء، وهي .. فقاطعه الزبون ببرود : هل هناك أفضل منها في السوق ؟ قال: نعم قال : ماذا أبقيت من الصفات لهذه ( الأحسن ) !! لقد كان محقاً، فلو أنه أدرك هذه من البداية لقال: هي ( من ) أفضل الأنواع الموجودة في السوق، و(تكاد) تكون أكثر النظارات ( الشعبية ) حماية من الشمس .. الخ . من هنا فإن الإعلانات التجارية التي ( تجعل البحر طحينة ) وتدعي غاية الكمال تكون أقل جدوي من تلك التي تتخذ طابعاً واقعياً وتترك مسافة أمان .
الناس وشعرة ينسب لمعاوية رضي الله عنه مقولة مشهورة هي : لو كان بيني وبين الناس شعره لما انقطعت، وإذا صح هذا القول : فإن معاوية رضي الله عنه كان يحافظ علي مسافة الأمان هذه : فعندما يشد الناس ( الشعرة ) يرخيها هو، وعندما يرخونها يبادر بشدها ! فكن مثل هذا الصحابي الجليل، ولا تكن مثل المعري حيث يقول قاطعاً كل الحبال . أقل صدودي أنني مبغض ! وأيسر هجري أنني عنك راحل ! إذا هبت النكباء بيني وبينكم فأهون شيء ما تقول العواذل !
من نفس هذا المبدأ قيل قديماً : " زر غباً تزدد حباً " أي : أقلل من زياراتك للناس تزداد محبتك، لأنك بهذه تحافظ علي مسافة تستطيع معها أن تمسك بزمام المبادرة عند حدوث أي شيء دون أن تفرض عليك الظروف أمراً لا تريده، ودون أن يؤثر الملل والسأم علي علاقتك الاجتماعية .
اصطدام
إن الذين لا يتركون مسافة أمان كافية هم أناس متوترون دائماً في كلامهم، في مواعيدهم، في تعاملهم مع الآخرين، في قيادتهم للسيارة، في جميع أمورهم .
لا تقتل ولدك !
كان أبو أحمد يشتكي من تصرفات ولده بشكل دائم، وفي كل مجلس كان يسمعنا سيلاً من هذه الشكاوي المتكررة : السهر إلي الصباح، الرسوب المتكرر، الشجار مع إخوانه .. الخ . ذات يوم كنت في زيارة لأبي أحمد، واتفقت معه علي أن يترك لي مجال الحديث المنفرد مع ولده، دخل أحمد ومعه دلة القهوة، بعد قليل خرج الأب وبقيت لوحدي مع أحمد ( 14 سنة )، بعد التمهيد والمقدمات سألته : لم يشكو منك أبوك دائماً ؟ فأجاب بعصبية : أنا أعرف .. أنا أعرف .. إن أبي – أبداً أبداً – لا يثق بي، إذا خرجت مع أصحابي، فأنا ( مستهتر )، وإذا سهرت في الليل فأنا ( بليد )، وإذا لم أذهب للمسجد فأنا ( كافر )، وإذا رسبت في مادة فأنا ( غبي فاشل لا أصلح زبالاً ) . وانفجر بالبكاء قلت لأبيه بعد ذلك : إن تصرفات ابنك خاطئة بلا شك، ولو صدرت من ( مراهق ) يعيش في مجتمع نظيف ملتزم لكانت بالفعل مشكلة كبيرة، غير إنها إذا صدرت من ( مراهق) يأكل ويشرب من ( أطباق ) المائدة الفضائية، فإنها تعتبر نتيجة طبيعية لهذه المقدمات، ولا يمكن اعتبارها نهاية الطريق . فقال أبو أحمد : لم يفد معه شيء، لقد انتهت كل الحلول . فقلت له : أنت الذي أنهيتها لأنك لم تترك ( مسافة أمان ) بين ولدك، وبين الفشل، فأنت بعد إعلانك فشل ولدك علي جميع الأصعدة لم تبق في نفسك ونفس ولدك أي مساحة من النجاح يمكن استثمارها، والبناء عليها، وبالتالي شعرت أنت وإياه باليأس من الوصول إلي أدني نتيجة . إن عليك أن تستبدل هذه الكلمات التي تقطع الطريق، وتقضي علي ولدك بالفشل، بكلمات تتناسب مع طبيعة الموقف، وتحمل في مضمونها عبارة تقول : " لم تزل أمامك فرصة يا ولدي " .
- إذا وعدت بشيء، أو أوعدت به .. أترك مسافة أمان لشيء ما .
- إذا اقتنعت برأي، أو لم تقتنع به .. أترك مسافة أمان لشيء ما .
- إذا أحببت أحداً، أو أبغضته .. أترك مسافة أمان لشيء ما .
- إذا مدحت شيئاً، أو ذممته .. أترك مسافة أمان لشيء ما .
- في جميع أمورك .. أترك مسافة أمان لشيء ما .. لأن خير الأمور الوسط، ومن كان في الوسط فإنه قد ترك – حتماً – مسافة الأمان الكافية عن يمينه، وعن شماله .