لشهر رمضان منزلة رفيعة بين الشهور، فهو الشهر الوحيد، الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وهو الشهر الذي اختصه الله بفريضة الصيام، وأنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من
لشهر رمضان منزلة رفيعة بين الشهور، فهو الشهر الوحيد، الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، وهو الشهر الذي اختصه الله بفريضة الصيام، وأنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان.
كان رمضان شهرا مقدسا قبل الإسلام، وقد ورد في اللغة الآرامية باسم " رمع " أي رمض، لأن الضاد العربية تقابلها العين الآرامية، وما زالت في عامية لبنان كلمة " رمعان " على وزن رمضان، وهو الرماد الممزوج بالحجر الصغير الذي يستدفئون به. رمضان: الجذور اللغوية
وقد اختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه من الرمض وهو شدة الحر، وقال ابن دريد: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة أسموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر وشدته فسمي به، ثم كثر استعمالها في الأهلة وإن لم توافق ذلك الزمان. ويقال: إن أول من سماها بهذه الأسماء كلاب بن مرة من قريش وكان اسم رمضان في الجاهلية: الناتق أو الناطل من الناقة، الناتق أي كثيرة الولادة، أو من الناطل وهو كيل السوائل. ولكن يلاحظ أن الفلكيين يقولون: إن التسمية الجديدة للشهور وقعت في الخريف، وهو ليس شديد الحر. ويرى بعضهم أنه مأخوذ من رمض الصائم، وهو حر جوفه من شدة العطش، أو لأنه يرمض الذنوب: أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الإرماض وهو الإحراق، وقد جاء في الحديث الشريف : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والتفكر في أمر الآخرة، كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. وقيل: هو من رمضة النصل أرمضه رمضا، إذا دققته بين حجرين ليرق: سمي بذلك لأنه شهر مشقة يذكر الصائمين بما يقاسيه أهل النار فيها. وقيل: لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه (يرققونها) ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وقال بعضهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى، وعللوا بذلك أنه كلما ذكر قيل شهر رمضان ، ولم يذكروه فردا بغير إضافة كما يقولون مثلا " شعبان وصفر والمحرم " وسائر الشهور الأخرى. ويروي صاحب لسان العرب عن مجاهد أنه كان يكره أن يجمع رمضان إذ يجمع على وزن جمع المؤنث السالم وعلى أوزان جموع التكسير، فيقال رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمضاء إلى آخره. ثم روى صاحب اللسان عن مجاهد أنه قال: " بلغني أنه من أسماء الله عز وجل ". ويجوز أن اسمه مشتق من الرمض وهو المطر يأتي قبل الخريف فيجد الأرض حارة محترقة، لكن الرأي الراجح أنه مشتق من الرمضاء وأنه كان يأتي من الرمضاء في كل سنة، لأن العرب قبل الإسلام كانوا يحسبون تاريخهم بسنة قمرية شمسية، فيضيفون تسعة أشهر كل أربع وعشرين سنة، أو يضيفون سبعة أشهر كل تسع عشرة سنة، أو يضيفون شهرا ك ل ثلاث سنوات حسب مواقع الشهور، ويغلب أن يكون هذا الحساب متبعا في مكة دون البادية ومن يسكنها من الأعراب الذين لا يحسنون الحساب ولكنهم يتبعون فيه أهل مكة بجوار الكعبة، لأن شريعة الكعبة هي التي كانت تسن لهم تحريم القتال في شهور من السنة وإباحته في سائر الشهور.
وقد بحث العلامة محمود باشا الفلكي هذه المسألة في رسالته التي سماها " نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام " فرجح أن أهل مكة كانوا " يستعملون التاريخ القمري في مدة الخمسين سنة التي قبل الهجرة" وإنما كان أصحاب الحساب يتصرفون في التقديم والتأخير إن أرادوا الحرب في الأشهر الحرم أو أرادوا منعها في غير هذه الأشهر وفاقا لأهوائهم ومنافعهم. ومن هنا كان تحريم الإسلام للنسيء، لأنهم يحلونه أو يحرمونه كما يشاءون، ولا يستقيم الأمر على هذا الحساب بعد فرض الصيام، والحج في أيام معلومات. ولم يفرض الصيام في شهر رمضان منذ قيام الدعوة الإسلامية، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم في كل شهر ثلاثة أيام، ثم فرض صيام شهر رمضان كله في السنة الثانية من الهجرة. وتوفي الرسول الكريم وقد صامه تسع مرات. هلال رمضان
وقد استوجب صوم شهر رمضان العناية بأربعة أنواع من الأهلة وهي، هلال شعبان لارتباطه بأول رمضان، وهلال الشك، وهلال رمضان، وهلال شوال. وهذه القيمة الدينية استتبعت قيمة أخرى أدبية، فكثر وصف الشعراء للأهلة الثلاثة الأخيرة على مر العصور. وهلال شعبان العناية به دينية بحتة ، أما هلال رمضان فتعنى به الدول الإسلامية وشعوبها عناية فائقة، وترصد مطالعه حتى تتثبت من رؤيته، فيتحقق أول الشهر ويحق الصيام، ويكون ذلك من الأيام المشهودة، فتؤلف المواكب الدينية، وتنار مآذن المساجد وتحتفل الإذاعات، وتطلق المدافع، وتعلن البشائر والتهاني، وينشط رجال العلم والوعظ والإرشاد. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا رأى هلال رمضان قال: " اللهم أجعله هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك " ثلاث مرات
ثم يقول: "الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وأتى بشهر رمضان" . ولم يكن الخلفاء والأمراء يتكبرون على الصعود مع القضاة والشهود إلى الأماكن العالية لرؤية هلال رمضان. يقول الأصمعي: صعدت مع الرشيد - رحمة الله عليه - ننظر إلى هلال رمضان، فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، ما معنى قول هند بنت عتبة:
نحن بنات طارق.. نمشي على النمارق؟
قال الرشيد: الطارق: الكوكب الذي في السماء. فقال الأصمعي: أصبت يا أمير المؤمنين.
فأمر له هارون الرشيد بعشرة آلاف درهم.
ذكر جلال الدين السيوطي في " حسن المحاضرة " أن أول من خرج لرؤية الهلال في مصر القاضي غوث بن سليمان الذي توفي عام 168 ه. وقيل إن أول قاض خرج من الشهود لرؤية الهلال هو عبدالله بن تهيعة الذي تولى قضاء مصر عام 155 ه. نوادر في هلال رمضان
اجتمع الناس ليلة لرؤيته، فكانوا يحدقون في الأفق ولا يرون شيئا، فصاح رجل من بينهم: لقد رأيته! فاستعجبوا من قوة إبصاره، وقالوا: كيف أمكنك أن تراه من بيننا؟! فطرب الرجل لهذا الثناء وصاح: وهذا هلال آخر بجواره. فضحك الحاضرون منه. وطلبوا ليلة رؤيته، فقال لهم " أبو مهدية " المضحك: كفوا فما طلب أحد عيبا إلا وجده!
على أن بعض الشعراء لم يكونوا يلقون هلال رمضان بالبشر والحفاوة يقول ابن الرومي:
إني ليعجبني تمام هلاله
وسر بعد تمامه بنحوله
ويقول أبوالحسين بن سراج الأندلسي- معتذرا إلى بعض أصدقائه:
وأنا أسأت فأين عفوك مجملا..
هبني عصيت الله في شعبان
لو زرتني والآن تحمد زورة
كنت الهلال أتى بلا رمضان
فهو يجعله هلالا ولكن لغير رمضان .
وقد جرت عادة الشعراء الصالحين أن يرحبوا بهلال رمضان، ويفتنوا في وصفه، ويعدوه أمارة خير وبشر ويمن. يقول ابن حمد يس الصقلي:
قلت والناس يرقبون هلالا
يشبه الصب من نحافة جسمه
من يكن صائما فذا رمضان
خط بالنور من أوائل اسمه
أما هلال شوال فهو أحب الأهلة إلى الناس بعامة، وإلى الشعراء بخاصة، لأنه يرفع عنهم قيود الصيام، ولأنه يأتي بعيد الفطر الحبيب لديهم. يقول محمد بن الرومي المعروف بماماي:
ولما انقضى شهر الصيام بفضله
تجلى هلال العيد من جانب الغرب
كحاجب شيخ شاب من طول عمره
يشير لنا بالرمز للأكل والشرب
ويقول الطغرائي:
قوموا إلى لذاتكم يانيام
ونبهوا العود وصفو المدام
هذا هلال الفطر قد جاءنا
بمنجل يحصد شهر الصيام
ويقول ابن المعتز:
أهلا بفطر قد أتاك هلاله
فالآن فاغد إلى السرور وبكر
فكأنما هو زورق من فضة
قد أثقلته حمولة من عنبر فكاهات الصيام في رمضان
للصيام فكاهات لا حصر لها.فمن ذلك قيل لمزيد المدني: بم تتسحر الليلة؟ فقال: باليأس من فطور القابلة.وقيل لمزيد المدني: صوم عرفة يعدل صوم سنة.فصام إلى الظهر، وقال: يكفيني ستة أشهر فيها رمضان.وجاء رجل إلى أبي هريرة في رمضان فقال: دخلت دارا فأطعموني ولم أدر! فقال له: أطعمك الله وسقاك.يريد أنه ليس عليه إثم.فقال الرجل: ثم دخلت داري، فاتصلت بزوجتي. فقال أبوهريرة: ليس هذا فعل من تعود الصيام. ومن النكات الطريفة : أن أبا القاسم دخل على الوزير ابن هبيرة في يوم شديد الحر من أيام رمضان، وعنده نقيب الأشراف- وكان يرمى بالبخل- فقال له الوزير: أين كنت؟ قال : كنت في مطبخ سيدي النقيب! فقال الوزير: ويلك أفي شهر رمضان في المطبخ؟ فقال: نعم، كنت أكسر الحر فيه! فتبسم الوزير، وضحك الحاضرون، وخجل النقيب.