إن حالة الاضطراب وعدم الاستقرار في ساحل العاج وانقسام البلاد إلى جزأين وتدهور الوضع الأمني، كان نتاجاً طبيعياً لسياسات قديمة نفَّذتها وما زالت تنفِّذها فرنسا مع بعض العملاء المحليين أو
إن حالة الاضطراب وعدم الاستقرار في ساحلالعاج وانقسام البلاد إلى جزأين وتدهور الوضع الأمني، كان نتاجاً طبيعياً لسياسات قديمة نفَّذتها وما زالت تنفِّذها فرنسا مع بعض العملاء المحليين أو النصارى الوافدين من عدة بلدان ومن بينها بعض البلاد العربية!
ارتكزت السياسة الفرنسية في هذه الدولة كغيرها من مستعمراتها السابقة، بدعم الاقتصاد الفرنسي ونهب خيرات البلد كجزء أساسي من الهيمنة الفرنسية، وذلك باستثمارات فرنسية كبيرة وفي كل القطاعات، هذا بالإضافة إلى وجود عدد من المستشارين الفرنسيين ـ كما يحلو لهم تسميتهم، وإنما هم في حقيقة الأمر مجموعة من المرتزقة الفرنسيين ـ في كل الوزارات العاجية، وإدارة سياسة البلد حسب توجيهات باريس، فتخضع كلّ من وسائل النقل والمياه والكهرباء إلى مراقبة شركات:Saur, EDF, Orange Bouygues، و تسيطر كلّ من الـ Société générale والـ BNP والـ Crédit lyonnais على القطاع المصرفي، بالإضافة إلى الشركات المسيطرة على الكاكاو والبن والخشب والنقل الجوي... إلخ القائمة، وهذه الشركات هي نفسها المنتشرة في كافة ربوع أفريقيا الفرانكفونية، وتهيمن على اقتصاديات هذه البلدان. حيث تشكل نسبة المصالح الفرنسية في مستعمراتها السابقة، ثلث الاستثمارات الأجنبية وثلاثين بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي. وهذا ما جعلها تبني المدن الاقتصادية على السواحل حتى يسهل نقل المواد اللازمة إلى باريس بأقل تكلفة، فجعلت من معظمها عواصم لهذه البلدان " كأبيدجان " سابقاً قبل أن تتحول إلى " ياموسوكرو " العاصمة السياسية الحالية للبلاد. وجعل أهلها فقراء أو تحت خط الفقر كما هو الحال في ساحلالعاج الغنية بثرواتها، يرزح حوالي 50 % من أهلها تحت خط الفقر مع أنها تستحوذ على 40% من الإنتاج العالمي للكاكاو، وتعد مصدراً رئيساً للموز والبن والقطن وزيت النخيل والأناناس والمطاط والأخشاب وغيرها من الصناعات!
فما أن حاول العاجيون استثمار مقدرات بلدهم بعيداً عن الهيمنة الفرنسية حتى بدأت باريس بوضع قاعدة " عليَّ وعلى أعدائي " بتفتيت هذا البنيان الشامخ والذي يعد في السبعينات من القرن الماضي من أقوى الاقتصاديات الأفريقية، حيث عرفت نمواً مطرداً وقوياً أطلق عليه اسم "المعجزة الإيفوارية" وأدت تلك النجاحات إلى استقرار معدلات النمو الاقتصادي السنوية عند حدود 7% وكان يتوقع لها أن تواصل الاستقرار والنمو، ولكن بعصيانها لبعض أوامر باريس تقهقرت إلى الحضيض، وتأثير بعض العوامل الاقتصادية العالمية أيضاً. ليس هذا فحسب، بل تم قتل وتصفية كل من يرى أن مصالح ساحلالعاج فوق كل اعتبار آخر، أو الانقلاب عليه كما فُعِلَ بالرئيس هنري كونان بيديي! والذي خلفه الرئيس الحالي.
تحتفظ فرنسا بنحو أربعة آلاف جندي في ساحلالعاج بحجة حفظ أمن رعاياها وعملائها!، لذا ومخالفة للاتفاقيات الأمنية التي وقَّعتها فرنسا مع معظم مستعمراتها السابقة ومن بينها ساحل العاج، كانت النقطة الرئيسة في تلك الاتفاقيات هو مساعدة الدول الحليفة ضد عدوان خارجي عليها، أما أن تعتدي فرنسا هي على الدولة الطرف في هذا الاتفاق هذا ما لم يكن وارداً في بنود الاتفاقيات، وتعدياً على هذا الاتفاق اعتدت فرنسا وأمام العالم أجمع على السيادة العاجية بقذفها لطائراتها وتحطيم أسطولها الجوي. بل وحتى تبعد الشبهة عن نفسها ادعت باريس أن ساحلالعاج تعاونت مع الصهاينة بضرب طائراتها!
هذا الموقف الذي اتخذته فرنسا كان إنذاراً ورسالة لكافة الدول الفرانكفونية في القارة، ومضمون الرسالة، إن الانفتاح على أمريكا لا يعني بالضرورة التعدي على مصالحها الاقتصادية، وأن من لم يدرك ذلك فمصيره مصير ساحل العاج، وكونغو ورواندا... الخ! هذه التصرَّفات هي التي جعلتها مكروهة ومنبوذة من قبل جميع شعوب مستعمراتها السابقة وآخرها العاجيون الذين خرجوا للانتقام بتدمير كل شيء يرمز لفرنسا أو التعدي على رعاياها ومن ذلك قتل (الصحافي الفرنسي) جان هيلين في 21 أكتوبر 2003م، واختفاء صحافيّ آخر، وهو غي-أندريه كيفير، منذ 16 أبريل 2004م. بالإضافة إلى الاعتداءات المتكررة على المصالح الفرنسية في ساحل العاج.
فرنسا والتي تبكي على ماضيها التليد في هذه الدولة، تسعى وبكل ما أوتيت من قوة بعدم فقد باريس الثانية " أبيدجان " كآخر معقل لها في القارة الأفريقية، بإيجاد كافة الأوضاع التي تسمح لها بالوجود والهيمنة، مع إعطاء أمريكا نصيبها من الكعكة العاجية.
مقتبس من: http://almoslim.net/node/85689
تعليق: إن التدخل الفرنسي في هذه الدولة المستقلة ذات السيادة لا يوجد أي مسوغ له في القانون ولا في الأعراف الدولية وهو يستند للماضي الاستعماري فقط ، وقد وقع دونما حتى قرار من الأمم المتحدة على مآخذها، مما يعني أن سيادة الدول المستعمَرة سابقا تبقى ناقصة وأن الدول المستعمِرة ستعود متى شاءت كلما شعرت بتهديد لمصالحها ، ولن يعجزها اختلاق العذر كما حصل في كوت ديفوار ، و بخلاف ما تناقله الإعلام الموجَّه من أن قوات الحسن واتارا هي من ألقت القبض على غريمه غباغبو يؤكد كثيرون أن القوات الفرنسية هي من اصطادته وسلمته لواتارا وقد شاهد الجميع المعاملة المذلة والمخزية التي عومل بها هو وزوجته أمام عدسات الكاميرات
هذه هي الديمقراطية التي يريدها الغرب لأفريقيا ودول العالم الثالث.
السؤال: ماذا سيقدم الحسن واتارا لفرنسا مقابل هديتهم له، وكيف سيتعامل معها لو تعارضت مصالحها (وهي الحريصة عليها ) مع مصالح بلده وشعبه