خرج من بيته و هو في حالة ثوران, لم يعرف إلى أن يتجه. تصوب نحو المقبرة لزيارة قبر أمه, جلس بجانب القبر ساعتين و هو يبكي وحدته, ثم قام يبحث عن عمل عند النجارين و الميكانيكيين, لكن دون جدوا ; فكلما طرق بابا قفل في وجهه. لم يشعر بمرور الوقت فوجد نفسه مسجونا في سواد الليل, بعيدا عن حارته, لم يجد إلا بابا نسي أصحابه أن يغلقوه, فدخل و نام بحديقة المنزل.
و في الصباح استيقظ على طلب النجدة, و ما لبث أن فتح عينيه حتى وجد نفسه بين رجل عجوز و زوجته, حاملين عصيا, طلبا منه شرح سبب وجوده بحديقة بيتهما, فبدأ بحكي روايته لهما, تأسف العجوزان, و رحبا به لتناول الفطور معهما. عرضوا عليه أن يعمل لديهما, كان مترددا في البداية, لكن بعد تمعن, قبل عرضهما, و أصروا على أن يكمل دراسته, و أن لا يتأثر بما صار معه ; فاستغرب و سألهما عن السبب الذي يدفعهما إلى مثل هذا الاستعطاف, فأجابته العجوز أنهما متزوجان منذ زمن طويل, لكن الله لم يرزقهم بأولاد, و حين جاءتهم الفرصة, لم يودوا أن يضيعوها. فوجئ بطلبهما المستحيل ; خاصة و هو في ذلك السن, فطلب منهما وقتا ليفكر.
عاد في طريقه إلى بيته, وهو يرجو الله أن يتغير حاله, و فعلا قد تغير ; فعندما وصل إلى حيه, وجد الناس متجمعين أمام منزله, فهب بالسؤال فإذا به يجد جدته قد توفيت, تلك المرأة الوحيدة التي كانت تعوض شيء من حنان أمه, تجمد في مكانه و الدموع تجري من عينيه, لم يشعر بوالده حتى وجده يعانقه و يقول له اصبر فهذا أمر الله, زاد ألم الشاب و هو يسمع صياح الأهل و الجيران.
حل المساء, و جلس مع الأهل في العزيمة, و ما انتهت المراسم, حتى غرق في نوم عميق, فحمله أبوه إلى غرفته.
لم يمر على وفات الجدة إلا يومان, حتى عادت معاملة الأب كما كانت ; يصرخ في وجه ابنه بلا سبب, يندفع لضربه, إلا أن زوجة الأب تتدخل لإيقافه, رغم أنها هي التي حرضته على تلك الأفعال.
فر الشاب و هو حائر إلى أين يتجه, فجأة تكر العجوزان, فذهب إلى منزلهما, ففتح العجوز مفزوعا, فإذا به يجد الشاب يتوسل و هو يبكي أن يبيت عندهم و لو لهذه الليلة, فأدخله العجوز. و في الصباح, أفاقته العجوز, و طلبت منه أن يشرح لها لما جاءهم باكيا و في وقت متأخر, فقام بسرد كل ما صار معه منذ أن تركهما, اجتمع الثلاثة حول المائدة ليتناولوا الفطور, ذهل العجوزان حين أخبرهما الشاب انه يقبل عرضهما, أي أن يكون كابن لهما, نطت العجوز من مقعدها لمعانقة الشاب, و الدموع تغمر عينيها, شرطوا عليه أن يكمل دراسته و يساعدهم في تقليم الحديقة و بعض الأعمال, فقبل, و وعدهما أنه سيكون ابنا صالحا.
مرت السنين, و مات العجوزان تاركان كل ارثهما للشاب الذي أصبح محاميا جد مشهور, و أبا لأسرة متكونة من طفلان و فتات, و أمهما التي تقرب لشيخان.
نسي أمر عائلته, أو ما تبقى منها, إلا أنه في يوم من الأيام جاءه طلب من المحكمة للدفاع عن رجل طردته زوجته من بيته, حضر المحامي القضية شاكا في أن الرجل كان أباه, و فعلا كان هذا الأخير لكن قد تغير حاله جدا ; يرتدي لباسا باليا و لحيته تثير النفور, صدم الشيخ عند سماع اسم ولده و هب -دون أن يشعر- بضمه إلى صدره طالبا منه السماح عن كل ما قام به, غمرت الدموع أعينهما, أمسك الابن بيد أبيه, و خرجا من باب المحكمة و هما جد سعيدا ن باللقاء.
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )
لا يمكنكم مشاهدة باقي المشاركات لأنك زائر ..
إذا كنت مشترك مسبقاً معنا .. فقم بتسجيل الدخول بعضويتك المُسجل بها
للمتابعة و إذا لم تكن كذلك فيمكنك تسجيل عضوية جديدة
مجاناً (
من هنا )